الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
45
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
وقرأ الباقون « قل » - على الأمر للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم - : رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ ، الكائن فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ ، سواء كان سرا أم جهرا وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 4 ) فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم . بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ ؟ ؟ ؟ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ . وهذا متصل بقوله تعالى هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ ، فإن الظالمين لم يقتصروا على قولهم في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم هل هذا إلّا بشر ، وفي حق ما ظهر على يده من القرآن أنه سحر ، بل قالوا : ما أتانا به محمد أباطيل أحلام كاذبة رآها في النوم ، بل اختلق محمد ما أتانا به من تلقاء نفسه من غير أن يكون له . صل ، بل محمد هو شاعر ، فما أتى به كلام يخيّل للسامع معاني لا حقيقة لها ، ويرغّبه فيها ، فترتيب كلامهم كأنهم قالوا : ندّعي أن كون محمد بشرا مانع من كونه رسولا للّه ، فإن سلّمنا أنه غير مانع فلا نسلّم أن هذا القرآن معجز ، فإن ساعده على أن فصاحته خارجة عن مقدور البشر . قلنا : لم لا يجوز أن يكون ذلك سحرا وإن لم تساعده فصاحته عليه ، فإن ادّعينا كونه في غاية الركاكة ، قلنا : إنه أضغاث أحلام . وإن ادعينا أنه متوسط بين الركاكة والفصاحة ، قلنا : إنه افتراء ، وإن ادعينا أنه كلام فصيح ، قلنا : إنه من جنس فصاحة سائر الشعراء . وعلى هذه التقديرات فإنه لا يثبت كونه معجزا ولا يثبت كون محمد رسولا للّه تعالى ، وإن لم يكن كما قلنا ، بل كان رسولا من اللّه تعالى ، فليأتنا بآية كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ( 5 ) أي بآية كائنة مثل الآية التي أرسل بها الأولون ، كاليد ، والعصا والناقة ، ونظائرها ، حتى نؤمن به . قال اللّه تعالى مجيبا لهم : ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ ، أي قبل مشركي مكة ، مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ، بإهلاك أهلها لعدم إيمانهم بعد مجيء ما اقترحوه من الآيات ، أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ ( 6 ) أي الأمم المهلكة لم يؤمنوا عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات ، أهم لم يؤمنوا ، فهؤلاء يؤمنون لو أعطوا ما اقترحوا مع كونهم أشدّ عتّوا من أولئك . وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا ، أي وما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك إلى أمتك ، إلا رجالا مخصوصين من أفراد جنسك ، متأهلين للإرسال ، ولم يكونوا ملائكة ، نُوحِي إِلَيْهِمْ بواسطة الملك ، كما نوحي إليك من غير فرق . وقرئ « يوحى إليهم » بالياء على صيغة المبني للمفعول . فَسْئَلُوا أيها الجهلة أَهْلَ الذِّكْرِ ، أي أهل الكتاب التوراة والإنجيل ، فإنهم يخبرونكم بحقيقة الحال ليزول شككم إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 7 ) أن الرسل بشر فأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديقكم للذين آمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وَما جَعَلْناهُمْ ، أي الرسل جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ، أي وما جعلناهم جسدا مستغنيا عن الأكل والشرب ، بل محتاجا إلى ذلك لتحصيل بدل ما يخرج منه وَما كانُوا أي الرسل خالِدِينَ ( 8 ) . في الدنيا بل يموتون كغيرهم لأن عاقبة التحلّل هو الفناء . ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ أي ثم صدقناهم في الوعد الذي وعدناهم بإهلاك من كذبهم ، فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ